الشيخ محمد الطاهر ابن عاشور

50

تفسير التحرير والتنوير ( تفسير ابن عاشور )

لمّا ذكر ثواب القوم الّذين يتذكّرون بالآيات ، وهو ثواب دار السّلام ، ناسب أن يعطف عليه ذكر جزاء الّذين لا يتذكّرون ، وهو جزاء الآخرة أيضا ، فجملة : وَيَوْمَ يَحْشُرُهُمْ إلخ معطوفة على جملة : لَهُمْ دارُ السَّلامِ عِنْدَ رَبِّهِمْ [ الأنعام : 127 ] . والمعنى : وللآخرين النّار مثواهم خالدين فيها . وقد صوّر هذا الخبر في صورة ما يقع في حسابهم يوم الحشر ، ثمّ أفضي إلى غاية ذلك الحساب ، وهو خلودهم في النّار . وانتصب : يَوْمَ على المفعول به لفعل محذوف تقديره : اذكر ، على طريقة نظائره في القرآن ، أو انتصب على الظرفيّة لفعل القول المقدّر . والضّمير المنصوب ب نحشرهم عائد إلى الَّذِينَ أَجْرَمُوا [ الأنعام : 124 ] المذكور في قوله : سَيُصِيبُ الَّذِينَ أَجْرَمُوا صَغارٌ عِنْدَ اللَّهِ ، أو إلى الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ [ الأنعام : 125 ] في قوله : كَذلِكَ يَجْعَلُ اللَّهُ الرِّجْسَ عَلَى الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ . وهؤلاء هم مقابل الّذين يتذكّرون ، فإنّ جماعة المسلمين يعتبرون مخاطبين لأنّهم فريق واحد مع الرّسول عليه الصّلاة والسّلام ويعتبر المشركون فريقا مبائنا لهم بعيدا عنهم ، فيتحدّث عنهم بضمير الغيبة ، فالمراد المشركون الّذين ماتوا على الشّرك وأكّد ب جَمِيعاً ليعمّ كلّ المشركين ، وسادتهم ، وشياطينهم ، وسائر علقهم . ويجوز أن يعود الضّمير إلى الشّياطين وأوليائهم في قوله تعالى : وَإِنَّ الشَّياطِينَ لَيُوحُونَ إِلى أَوْلِيائِهِمْ [ الأنعام : 121 ] إلخ . وقرأ الجمهور : نحشرهم - بنون العظمة - على الالتفات . وقرأه حفص عن عاصم ، وروح عن يعقوب - بياء الغيبة - ولمّا أسند الحشر إلى ضمير الجلالة تعيّن أنّ النداء في قوله : يا مَعْشَرَ الْجِنِّ من قبل اللّه تعالى ، فتعيّن لذلك إضمار قول صادر من المتكلّم ، أي نقول : يا معشر الجنّ ، لأنّ النّداء لا يكون إلّا قولا . وجملة : يا مَعْشَرَ الْجِنِّ إلخ مقول قول محذوف يدلّ عليه أسلوب الكلام ، والتّقدير : نقول أو قائلين . والمعشر : الجماعة الّذين أمرهم وشأنهم واحد ، بحيث تجمعهم صفة أو عمل ، وهو اسم جمع لا واحد له من لفظه . وهو يجمع على معاشر أيضا ، وهو بمعناه ، وهو مشتقّ من المعاشرة والمخالطة . والأكثر أن يضاف المعشر إلى اسم يبيّن الصّفة الّتي اجتمع مسمّاه فيها ، وهي هنا صفة كونهم جنّا ، ولذلك إذا عطف على ما يضاف إليه كان على